فصل: تفسير الآية رقم (24):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (23):

القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [23].
{ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي: جواب ما اعترض به على فتنتهم التي هي شهادة أن مع الله آلهة أخرى. وعبّر عن جوابهم بالفتنة، لأنه كذب: {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} اعتذروا عن أصنامهم بنفيها مؤكداً بالقَسَم بالاسم الجامع، مع نسبة الربوبية إليه تعالى، لا إلى ما سواه، مبالغة في التبرؤ من الإشراك. فكان هذا العذرُ ذنباً آخر مؤكداً لافترائهم بالإشراك الذي نفوه. كما قال تعالى:

.تفسير الآية رقم (24):

القول في تأويل قوله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [24].
{انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود: {وَضَلَّ} أي: وكيف ضاع وغاب: {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئاً، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى: {قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} [الأعراف: 37]. فـ: {ما} موصولة، كناية عن الشركاء. وإيقاع الافتراء عليها، مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من الإلهية، والشركة والشفاعة ونحوها- للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفتري.
تنبيهات:
الأول- ما ذكرناه من أنه عبر عن جوابهم بالفتنة هو الأظهر. فالمراد: الجواب بما هو كذب، لأنه سبب الفتنة، فتجوّز بها إطلاقاً للمسبب على السبب، أو هو استعارة. وقيل: الفتنة بمعنى العذر، لأنها التخليص من الغش لغة، والعذر يخلّص من الذنب، فاستُعيرت له. وقيل: بمعنى الكفر، لأن الفتنة ما تفتتن به ويعجبك، وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به، ويظنونه شيئاً، فلم تكن عاقبته إلا الخسران، والتبرؤ منه، وليس هذا على تقدير مضاف، بل جعل عاقبة الشيء عينه، ادّعاءً.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. وذلك أن الله تعالى بيّن كوْنَ المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين على حبه، فأعلم في هذه الآية، أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين. ومثاله: أن ترى إنساناً يحب غاوياً مذموم الطريقة، فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال: له ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه.
قال الخفاجي- بعد نقله ما ذكر-: وليس هذا من قبيل عتابك السيف، ولا من تقدير المضاف، وإن صح فاحفظه، فإنه من البدائع الروائع. الثاني- ما بينّاه من أن {ما} في قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} موصولة، كناية عن الشركاء، بمعنى عدم إغنائها عنهم- هو الموافق للآية الثانية التي سقناها. وجوز كونها مصدرية. أي: انظر كيف ذهب وزال عنهم افتراؤهم من الإشراك، حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرؤوا منه بالمرة.
هذا، وجعل الناصر في الانتصاف: {ضَلَّ} بمعنى سُلِبُوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشاً. هو بعيد لعدم ملاقاته للآية أخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضاً. وعبارته: في الآية دليل بيّن على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره بمخبره. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم كذباً، مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي: سلبوا علمه حينئذ دهشاً وحيرةً. فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى.
الثالث- قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟.
قلت: الممتحَن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما، حيرةً ودهشاً، ألا تراهم يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]؟ وقد أيقنو بالخلود، ولم يشكوا فيه {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]. وقد علموا أنه لا يقضي عليهم.
وأما قول من يقول: معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} يعني في الدنيا- فتمحلٌ وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عيّ وإفحام. لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبوّ. وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18]. بعد قوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى.
والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي عليّ الجبائيّ والقاضي. فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثَمَّت، فإنا لا نسوّد وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل.
ثم بيّن تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة، مما طبع على قلوبهم بسببه فقال سبحانه:

.تفسير الآية رقم (25):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [25].
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي: يصغي حين تتلو القرآن، ولا يجزئ عنه شيئاً، لأنه لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه، ويؤثر فيه الإرشاد: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: حجاباً، جمع كنان، كغطاء وأغطية، لفظاً ومعنى: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أي: كراهة أن يفهموا، ببواطن قلوبهم، بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده، بإقامة الدلائل ورفع الشبه {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} أي: وجعلنا في آذانهم، التي هي طريق الوصول إلى بواطن القلوب، صمماً مانعاً من وصول السماع النافع. وقد مرّ في أول البقرة تحقيق ذلك. فتذكر!
وقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا} إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصوراً فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، وحملوها على السحر. لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23].
{حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاءوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسر المجادلة بقوله: {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. وعدُّ أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}- رتبة من الكفر لا غاية وراءها.

.تفسير الآية رقم (26):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [26].
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه، بل ينهون الناس عن استماعه.
قال المهايميّ: وهم، لرؤيتهم حلاوة نظمه فوق نثرهم وشعرهم، مع متانة معاينة، يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع على إعجازه. فيخافون تأثيره في قلوب الخلائق. لذلك ينهون عنه. أي: عن قراءته واستماعه، لئلا يدعوهم إلى التدبر فيه، فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة.
{وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، إظهاراً لغاية نفورهم عنه، وتأكيداً لنهيهم عنه. فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه، من متممات النهي. ولعل ذلك هو السرّ في تأخير النأي عن النهي- أفاده أبو السعود-.
ولما أشعر ذلك بكونهم يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، خوفاً من قوة تأثير التنزيل في القلوب، أتبعه بأنه لا يحصل لهم هذا المطلوب، لأن الله متم نوره، ومظهر دينه، وإن الدائرة عليهم بقوله: {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} بتعريضها لأشد العذاب عاجلاً وآجلاً: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: بذلك.
تنبيه:
روى الحاكم وغيره، عن ثلة من التابعين، أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُؤذى، وينأي عنه فلا يؤمن به، وجمعيته حينئذ، باعتبار استتباعه لأتباعه.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة. فكانوا أشد الناس معه في العلانية، ووأشدهم عليه في السر، ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يصدق على ما ذكر ولا ينافيه، وهو المراد بالنزول- كما أسلفنا مراراً- وقد قال أبو طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسَّد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةٌ ** وأبشر بذاك وقَرَّ عيونا

ودعوتني وزعمتَ أنك ناصح ** ولقد صدقتَ وكنت ثم أمينا

وعرضت ديناً لا محالة أنه ** من حير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سبةً ** لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

وفي {ينهون} و{ينأون} تجنيس بديع.
ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفيته مع بيان ما سيصدر عنهم في الآخرة. من القول المناقض لعقدهم الدنيويّ، بقوله سبحانه:

.تفسير الآية رقم (27):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [27].
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} أي: اطلعوا عليها فعاينوها. يقال: وقف فلاناً على ذنبه: أطلعه عليه. أو أُدخلوها فعرفوا ما فيها من العذاب. يُقال: وقفت على ما عند فلان، تريد: فهمته وتبينته. والوقف عليه مجازّي، أو هو حقيقيّ بمعنى القيام. و{عَلَى} إما على حقيقتها. أي: أُقيمو واقفين فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم. أو هي بمعنى في، أي: أُقيموا في جوف النار وغاصوا فيها، وهي محيطة بهم. وصحح معنى الاستعلاء حينئذ كون النار دركات وطبقات، بعضها فوق بعض.
{فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} تمنوا الرجوع إلى الدنيا، حين لا رجوع، واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم، وأن يكونوا من المؤمنين، أي: بآياته، العاملين بمقتضاها، حتى لا نرى هذا الموقف الهائل. أو من فريق المؤمنين الناجين من العذاب، الفائزين بحسن المآب.
تنبيه:
جواب {لو} محذوف، تفخيماً للأمر، وتعظيماً للشأن، وجاز حذفه لعلم المخاطب به. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر. ولو قدرت الجواب. كان التقدير: لرأيت سوء منقلبهم. وحذف الجواب في ذلك أبلغ في المعنى من إظهاره. ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: والله! لئن قمت إليك. وسكتّ عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر، وعَظُمَ الخوفُ، ولم يدر أي: الأقسام تبغي. ولو قلت: لأضربنك، فأتيت بالجواب لأمن غير الضرب، ولم يخطر بباله نوع من المكروه سواه. فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيراً في حصول الخوف- أفاده الرازي- وملخصه: أن حذف الجواب ثقة بظهوره، وإيذاناً بقصور العبارة عن تفصيله.

.تفسير الآية رقم (28):

القول في تأويل قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [28].
{بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} إضراب عما يدل عليه تمنيهم الباطل من الوعد، بالتصديق والإيمان، أي: ليس ذلك عن عزم صحيح، وخلوص اعتقاد، بل هو بسبب آخر، وهو أنه ظهر لهم ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك، بقولهم: {وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا لذلك. أو بشهادة جوارحهم عليهم، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله تعالى مخبراً عن موسى أنه قال لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102] الآية- وقوله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 14]. أو هذه الآية إخبار عن حال المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه. ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت فقال: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 11]. هذا ما ذكروه مما يمكن تنزيل اللفظ الكريم عليه لعمومه. وقد ناقش في ذلك كله العلامة أبو السعود، واعتمد أن المراد بـ مَا كانُوا يُخْفُونَهُ فيِ الدُّنْيَا النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، وبإخفائها تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. وإيثار على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} [الرحمن: 43]. وقوله تعالى: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14]. مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: {وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27]. لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم.
ثم قال في الوجوه المتقدمة: إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلاً. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها، وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف. ورتب عليه تمنيهم المذكور بـ الفاء القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية، وهي نفسها أدهى الدواهي، وأزجر الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر، مع عدم جريان ذكرها، ثمَّة- أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها، وأبوابها مفتوحة. فتأمل. أقول: لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبل المعمى. وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها- غير بعيد لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه. غاية الأمر أن ما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد- والله أعلم بأسرار كتابه-.
{وَلَوْ رُدُّوا} أي: عن موقفهم ذلك إلى الدنيا كما تمنوه، وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال: {لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} من الكفر والشرك: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في وعدهم بالإيمان، أو ديدنهم الكذب في أحوالهم.